الأربعاء، 29 أكتوبر، 2008

طبيعة النشوء الحي






















1 - الحياة بداية سحيقة في الوجود :
الحياة واقع مؤسس في أساس الكون بشكل يعارض كل المفاهيم المتشكلة حول انفصال الحياة عن اللاحياة لأن احتواء العلاقة بين وجود الحياة وعدم وجودها مأخوذ من واقع الحياة فقط فالمعارف المتشكلة عن نشوء الحياة وتطورها من مصدر وحيد هو الإنسان فالمعرفة المسجلة والمدونة عن مجال النشوء الحي هي إنسانية بالكامل إنها مرتبطة بظهور الوعي وليس الوعي بشكله المجرد بل الوعي بشكله المدون 0 فالحقيقة الجوهرية عن وجود الحياة ومدى عمقها في الوجود الكوني قد تكون غير مدونة بعد . غير أن وجود الكتابة أسهمت في نقل الخبرة بشكل أكثر دقة واتساع ترافقت مع الغاية لتعزيز التفوق فالعقول لم تهيأ بما هو واجب لحفظ الوجود في عمقه وفي اتصاله اللانهائي ولا يمكن حفظ الحياة منذ النشوء إلى وقت التذكر لأنها مهمة غير ضرورية للعقل البشري ولا تدخل في إعطاءه قدرة أكبر للتكيف مع المتغيرات الكونية ولا مع التغيرات الحية فالتعامل مع الأحقاب تبلغ مئات الألوف من السنين الأرضية تجعل من ضخامة التراكم الحي منذ بداية الحياة ما يفوق قدراتنا الإدراكية المباشرة بما يستوجب إتباع أساليب معرفية غير مباشرة لنغطي التوق الشديد لمعرفة البداية السحيقة للوجود الحي كمثل أعمى يشكل تطورات وأفكار عن أشياء من خلال اللمس .
فالفكرة المنتقاة من الطرح العقلي لنظرية الانفجار الكوني وضعت النظام الأساسي لنشوء التفاعلات وظهور الإشعاع الكوني يوضح همس الانفجار الأول بما يوافق ظهور الانزياح في الأشعة الحمراء ليؤكد حقيقة أخرى بأن الكون يتمدد وبشكل دائم فالانتشار الهائل للفوتونات في المحيط الهائل من الوجود الكوني العميق التواجد والمعزز بالطاقة يتوالف مع حقائق انبثاقية تغلف الكون بومض الحركة المجردة والمرافقة لعمق التكوين وتتالي التشكل لعناصر الدقة الفائقة في الوجود ذاته فالتعمق الهائل في العمق الكوني يتابعه العقل الإنساني بتوافق إستدلالي من الوجود الكوني ذاته فجميع الأفكار القائمة هي معطيات كونية قائمة خارج وجود العقل بما يؤكد أن التبادل المعرفي بين العقل الإنساني والكوني قائم على الملاحظة الدقيقة والصورة العقلية المشكلة عنها إنه تتابع ينسجم مع وجود الكون بما يؤكد بأن التكثيف والتبريد الشديد للطاقة أحدث التكوين العام للمجرات والنجوم .
فالتمدد الكوني قائماً حتى العودة وارتباط التجاذب المادي مع النشوء الكوني فشكل النجوم والكواكب وأحداث الترابط المنظم بينها كما فعلت الحرارة الناجمة عن الاندماج النووي في منع النجوم من الانهيار والتوزع وتناسب الاحتراق الحراري مع حجم النجوم فالنجوم الكبيرة تحترق بسرعات أكبر من النجوم الصغيرة نظراً للتزايد الحراري الكمي وعند نفاذ الوقود النووي لنجم ينتج عن الاندماج النووي مواد مثل الكربون والنتروجين والهيدروجين والهليوم تستخدم لإنتاج عناصر أكثر ثقلاً فالحديد ينتشر في الفضاء بعد خمود النجم من توهجه الحراري فالعناصر الناتجة عن الإنفجارات الكوكبية هي المصدر الأساسي لجميع العناصر التي يحتاجها النشوء الحي في بناء وجوده الطبيعي .
فالمجموعة الشمسية التابعين لنظامها نشأت من تكثيف الجاذبية لسحابة كونية بطيئة الدوران مكونة من الهيدروجين والهليوم العنصران الأساسيان في بنية الشمس أما الأرض الصغيرة فقدت هذين العنصرين لضعف طاقة الجذب لديها وقشرتها السطحية مشكلة من عناصر خفيفة من رماد كوكب أقدم ومن تحول تدريجي لعناصر مقذوفة من جوفها أما غلافها الجوي مكون من قشرة رهيفة من المادة والعمر التقريبي للأرض 4.5 بليون سنة وقوة الجاذبية الأرضية والضغط تمنع جزيئات الماء والأكسجين من الهروب خارج الغلاف الجوي .
فالتوازن الكوني أوجد الحقيقة الفاعلة لتبادل المؤثرات بين الموجودات فالتوضع المداري للقمر سبب المد والجزر في حركة البحار والمحيطات وحركة الصفائح القاعدية لسطح الأرض سببت تشكل الجبال وعزل القشرة الأرضية للحرارة الجوفية لباطن الأرض ، كلها عوامل فاعلة في مجال النشوء الحي في الواقع الأرضي مجال النشوء الحي في الواقع الأرضي .
الحياة نشأة منبثقة من الحياة العضوية في أساسها الكربوني وهي متمايزة نوعياً عن المادة غير الحية فالحياة العضوية تتصف بالدقة والاتزان والرهافة المعبرة عن وجودها بعمر تقديري يبلغ أربعة ملايين سنة تم الاستدلال عليها من حفريات معمرة بحدود مليون سنة غير أن الحياة البسيطة لوحيدات الخلية لا تظهر في طبقات الأرض لعدم احتوائها على أجزاء صلبة قابلة للتحجر والعلاقة بين الكائنات الحية قائمة على الوحدة العضوية نظراً لوحدة الكيمياء العضوية في مركباتها الأساسية بالرغم من تنوعها الجوهري .
فالمركبات العضوية كثيرة التنوع وما يجمعها مكوناتها الأساسية الداخلة في تركيبها كونها الوحدة البنائية لكل وجود حي في الطبيعة إنه وجود مبني على تصميم أساسي مشترك وعالي الدقة فالخلية الحية مصنع كيماوي معقد ومحكم التنظيم قائم على تصنيع جزيئات عملاقة في غاية الأهمية وهي الوحدة البنائية الجوهرية للحياة إنها الأحماض النووية والبروتينات والسكريات المتعددة المحتوية على الكربون وهي قائمة على التناظر والتقابل في التداخل والارتباط فالجزء الكيميائي الحيوي لا يوجد بمعزل عن غيره ولكل تفاعل وسيط خاص به يساعده على القيام بالتفاعل ويوجه مسيره وارتباطه بغيره فإذا كان للجزئ يد يكون للوسيط يد متوافق معه في التداخل المحكم ويتم التفاعل من خلال التوافق في تداخل الأبدي . إنه المبدأ الأول للتوحيد الكيميائي المعمم في جميع الكائنات الحية .
وكلما تعقد العمل البنيوي في الخلية يزداد التنظيم دقةً ليرفع مستوى الجاهزية للحياة أكثر فالتشابه المتبع في طريقة الإستقلاب القائمة على تحويل جزيْ عضوي إلى جزيْ أخر يعمق التماثل الأكثر إدهاشاً في طريقة التنظيم الأعمق في مجال الحياة العضوية فالعمليات الجارية في تركيب الخلية والإستقلاب يعتمدان على عائلة البروتينات إنها جزيئات عملاقة يصل عدد ذراتها إلى آلاف وكل نوع من البروتين يضع ذراته في مكانها المضبوط وبشكل يجعل لكل نوع من البروتينات له تركيب منفرد ومعقد له ثلاثة أبعاد وتشكيل تسلسلي أساسي يدعى بالسلاسل البيتيدية ويوجد عشرين أو أكثر من الأحماض الأمنية تستخدم في صناعة البروتينات فالأحماض الأمنية موجودة في الطبيعة الحية كلها والبروتين يماثل فقرة كتبت بعشرين حرفاً وكل نوع محدد للبروتين محدد بطريقة توضع الحروف في وجوده والبروتينات تختلف بطريقة صف الحروف والطريقة التي تتوضع فيها الحروف تشكل لغة كيماوية مختلفة ومتنوعة جداً وهي منظمة بدقة تحمل البيانات الوراثية وهذه البيانات الوراثية لها أربعة أحرف فقط أما الرسائل الوراثية في الإنسان فتبلغ أكثر من خمسين مليون من الأحرف والجهود المستمرة لحل الشيفرة الوراثية يعتبر من أهم الإنجازات البيولوجية لأنه قائم على ربط الأحرف الأربعة للمادة الوراثية بالأحماض الأمنية العشرين والمسماة بالأحرف التنفيذية .
تقوم الأبحاث الجارية على قراءة الشيفرة الوراثية وتشكيل معرفة علمية بميزاتها وخصائصها البنيوية ومعرفة الأبعاد الكلية لوجود الكائن والميزات التكوينية الداخلة في وجوده وبالتالي معرفة الماهية التي يعيش عليها الكائن وكافة المؤثرات الداخلة في بنيته التكوينية ومدى قابليته أو رفضه للمؤثرات الخارجية وتحصين وجوده من الأمراض الناشئة والطارئة إنها المعرفة القادرة على تأمين التوازن بين وجوده الحي ومحيطه الحيوي إنها التعرف على كنه الوجود الكلي للكائن الحي .
2 -الخواص الجوهري للنظام الحي :
إن معرفة الخواص يقودنا إلى معرفة المكونات الأساسية وطريقة تفاعلها وتناسق وجودها فمن أهم الخواص الكامنة في الوجود الحي وجود البروتين في تكوين التفاعل في بنيتها الأساسية كما أ، السلسلة البيتيدية المطلوبة تعزز الوجود المنفرد للكائن الحي في مجال النشوء الحي إنه المجال القادر على تأمين أنسب الظروف الخارجية لبقاء الكائن الحي فالحرارة المناسبة والمتوافقة مع حياة الكائن تعطيه القدرة على الاستمرار والتكاثر فالحرارة العالية تقتل وتفتت المكونات الأساسية لوجود الكائن والحرارة المنخفضة تعيق وجوده وتوقف نظام التفاعل في وجوده ، أما قدرة الكائن على التواصل والتكاثر والإنجاب هي من العوامل الأساسية في بقاء الكائن واستمرار وجوده في محيط مكون من صعوبات أو مضايقات فالقدرة على التكيف تجعل الكائن متجاوباً مع الطوارئ ويمتلك مقدرة ذاتية على تجاوز الصعاب ، فالكائن الحي يأخذ المواد الغذائية والطاقة الحرة ويلفظ النفايات والحرارة وهذا الأسلوب في الوجود يعتمد على النظام المفتوح ليتابع استمرار النسخ الكيميائي المتكرر لوجوده إنه النسخ المضبوط للمادة الوراثية وحدوث الأخطاء في عملية النسخ المتتابع للمادة الوراثية يحدث لديه طفرة وهذه الطفرات إما أن تحسن وجوده البنيوي ليكون قادراً على الحياة بفاعلية أكثر وأهمية خاصة تجعل الحياة قائمة على التعقيد المتكرر بشكل أكثر نوعية حتى يبدأ النظام بالتقدم ليظهر الانتخاب عبقريته من جديد أو تسوء حالة الكائن وتتأخر عن مواكبة التغير فينقرض ويموت ويعطي المجال لمن هو أنسب . وهذا ما يدفعنا لمعرفة الطريقة التي يتم فيها عملية النسخ داخل الخلية .
فالعملية تتم من خلال عائلتين من الأحماض النووية هما ( DNA وRNA ) ( د.ن.أ ) و ( ر.ن.أ ) إنه تصميم بسيط يمكن أن يكون متوافقاً ومترافقاً مع بدء الخليقة بمعنى يمكن أن يكون التخليق الأولي للحياة . إنهما عائلتان متباينتان ومتشابهتان فالـ DNA يتكون من عقد مصفوف الخرزات ومتجانس مكون من الفوسفات والسكر وتلتصق به مجموعة جانبية عند كل تكرار والخرزات هي أربعة الآدنين والكوانين والتايمين والسيتوزين يتم الاتصال بشكل تقابلي يلتصق الآدنين مع الكوانين والتايمين مع السيتوزين ويمكن أن تتكرر هذه العملية بشكل تتابعي لتشكيل رابطة مزدوجة ملتفة وبشكل حلزوني ، فالرسائل الوراثية تنتقل عن طريق التتابع المحدد للقواعد على طول السلسلتين فإذا تم التعرف على القواعد في إحدى السلسلتين عرفنا تتابع القواعد في السلسلة المرافقة ، فالقواعد الموجودة في السلسة الأولى متفقة في الارتباط مع قواعد السلسلة المرافقة فالبيانات الوراثية تسجل مرتين على كل من السلسلتين وبنفس التوافق وهذا نافع من الناحية التكوينية لأن فساد أوضاع إحدى السلسلتين يمكن إصلاحها أو إيجادها عن طريق تتابع القواعد للسلسلة المقابلة لها والعمودان غير المتوازيان في تتابعهما فإذا كان يسير في السلسلة الأولى بإتجاه الصعود فإنه في السلسلة المقابلة يسير بإتجاه الهبوط وهذا مايجعل التماثل مخالفاً أو كاذباً لأنها الطريقة المثلى والملائمة لهذا النوع من المواد الكيميائية حتى يتم التوافق والربط الدقيق على كامل السلسلتين وحتى يسهل فصلهما نظراً للترابط الضعيف بيت التصاقهما ودون أن يحدث هذا الفصل كسراً أو عطلاً في إحدى السلسلتين أو كلاهما ومهما كان التصاقهما مترافقاً فإن لكل منهما كيانه الخاص والقائم بذاته أقوى من الروابط بينهما .
والآلية الجارية لعملية النسخ مباشرة فكل سلسلة هي في طبيعتها وتكوينها قالب ينفصل ليصنع قالباً مترافقاً وموافقاً له فتكون العناصر الأربع الأساسية موجودة في كل لولب ينشأ من جديد مرافق لعائلته الأم فالجزيئات المتكاملة تجري فيها التفاعلات الكيميائية بصورة أسهل من الجزئيات المتطابقة والجزئيات السكرية تولد طاقة تدفع الولادة أو التخليق بالإتجاه المطلوب من الأحماض إنجازه وإن عملية الخلق هذه موجهة إلى الأمام في السلة الأولى وإلى الخلف في السلسة الثانية .
وكل قطعة متكونة من DNA تبدأ حياتها من قطعة من RNA ثم تلتصق يقطعه من DNA بحيث تتوفر بروتينات إضافية تقطع خيط أو جزء من RNA وتستبدله بجزء أخر من RNA ثم تعود لتربط كل شيء دون إتلاف فالآلية المتقنة لهذا العمل تجعل العملية البيولوجية صعبة الفهم فالعمليات الجارية قائمة على التوافق والتشكيل التوافقي العكسي المنسجم مع المهمة القائمة بالأعباء الأساسية لصناعة الحياة وإتمام التكاثر مما يجعل الوجود الحي متفرداً في بناء ذاته تلقائياً ومطور هذه الذات وفق غايات الوجود فالبناء الحي محكم التداخل والارتباط في مكوناته ليكون قادراً على إبداع وجوده شكلاً ومضموناً فالبساطة القائمة على إنتاج القواعد المتوافقة يقودنا إلى التصديق بأنها الطريقة المضمونة لإنتاج أقدم النظم الحية على هذا الكوكب وإن اكتشاف الطريقة الكيمائية لكيفية إنتاج البروتين يعتبر من أهم الانتصارات في البيولوجيا الجزئية .
3- المكونات الأساسية للحياة الأرضية :
ترتبط الحياة الأساسية بمجموعة عناصر مكونة لها أهمها الكربون والهيدروجين والأكسجين والنتروجين والفوسفور والكبريت يمكن أن تؤلف جزيئات عدد ذراتها بحدود الخمسين أما الجزيئات العملاقة فيمكن أن تتشكل في الحياة أو في البنية الحقة بأعداد لانهائية من هذه الجزيئات وتحتاج البنية الحية إلى كثير من ذرات العناصر كالصوديوم والبوتاسيوم والمنغنيزيوم والكلور والكالسيوم والحديد وغيرها وفي حالة التواجد الحر والمفرد لبعض العناصر تكون في حالة نشطة تسرع التفاعل مع بعضها لتكوين مركب فتندمج ذرتين من الأوكسجين مشكلاً الماء H2O والأمونيا NH3 وثاني أوكسيد الكربون CO2 والميتان CH4 .
فالغلاف الجوي المحيط بالحياة الأرضية يتكون من غاز خامل من النتروجين ومن غاز الأوكسجين وثاني أوكسيد الكربون وعناصر أخرى وغاز الأوكسجين ناتج عن عمليات حيوية تقوم بها الأحياء النباتية لإطلاقه في الجو عن طريق التمثيل الضوئي .
وهناك اعتقاد سائد في الأوساط العلمية بأن الهيدروجين كان جزءاً من الغلاف الجوي في الأزمان السحيقة في القدم وفق ميزان الزمن الأرضي وقد إنتشر فيها متحرراً من جاذبيتها نظراً لخفته وعدم توازنه في المجال الجوي وبعد تعاظم تواجد نسبة غاز الأوكسجين الناتج عن التمثيل الضوئي حوّل الغلاف الجوي إلى نظام كسول ونظراً لتشبع جو الأرض بالماء وفي ظروف مواتية ساهمت الأشعة فوق البنفسجية في تحليل الماء إلى عناصره الأساسية حيث انفصل الهيدروجين وانطلق في الفضاء متحرراً من الجاذبية والضغط أما الأوكسجين النشيط إنضم إلى نفسه مشكلاً غاز الأوكسجين وبدأ الجو المحيط بالأرض يأخذ شكله الحقيقي منذ 3.2 مليون سنة وتراكمت الأحياء الدقيقة في هذا الوجود مستفيدة من الظروف المناسبة وأنشأت مستعمرات حيوية لكائنات خلوية قائمة على التغذية الذاتية من المواد المتخمرة والغازات الجوية وبعد الاستقرار النسبي لكوكب الأرض غطته كميات هائلة من المياه وطاقة متدفقة من الشمس وزيادة في كمية العواصف الكهربائية على شكل برق متتالي ونشاط بركاني هائل أدى لحدوث تغيرات كيماوية في بنية الوجود الأرضي توافق مع وجود جزئيات عضوية في المياه الضحلة والطينية ويمكن أن تكون قد تكونت من الجزئيات المنشورة في الغلاف الجوي وناشئة عن تلازم الشحنات الكهربائية والأشعة فوق البنفسجية ومصادر أخرى للطاقة شكلت في البدء خليطاً مخففاً من المواد العضوية كانت مقدمة أولية ومادة أساسية لبناء أقدم النظم الحية . فالصيغة الحية للوجود هوا قدرتها على الإنتخاب الطبيعي بمعنى قدرتها على تجديد نفسها تلقائياً ومن خلال ضم جزئيات الفوسفات وتلازم التكيف النسبي مع الوجود الطبيعي استكملت بناء جزئي من RNA النشيط والبيتدات ذات السلاسل القصيرة ساهمت في إيجاد صيغة هي أفضل مايمكن لإجراء عملية النسخ حيث بدأ الجين الأولي شيئاً فشيئاً قادراً على توليد ذاته ويمتلك إمكانية التأثير في بيئته بوجود أنزيم مناسب تلقفه من الحساء العضوي وهذا أقرب تخمين عقلي مناسب لوجود ونشأة الحياة على الأرض غير أن الأمر القاطع والأكيد بأن الحياة على الأرض يمكن أن تكون قد نشأت بفضل وجود معجزه تفوق قدرتنا على التصور لأن التلازم الكوني وانسجام مكوناته الفاعلة وقدرة التبادل والانتقال قد ترجح رأياً مخالفاً يقوم على أن الحياة الموجودة على هذه الأرض ناتجة عن بذور كونية موجهة في الظرف الناسب والوقت المناسب لأن الحياة الأرضية تعطي أدلة معينة بأن خلوها من الحياة والحياة الموجودة عليها يحتاجان للتوافق في التدرج والتكوين وإعادة بناء الحياة والحلقة المفقودة بين الكينونتين هو نشأة الحياة بشكل ما .
فالعمر الموافق لظهور الثدييات وتنوعها ترافق مع انقراض الديناصورات وهذا مايدعو إلى التساؤل والاستنتاج بأن الديناصورات هي أسوأ ما أنتجته الحياة ومايلفت الانتباه بأن انقراضها التام والكامل عن وجه هذا الكوكب يمكن أن يكون قد تم بمعجزة أخرى أو بفعل موجة فالحقيقة العقلية المتلازمة مع كينونة الوجود نتجت من بنيته وسحبت كل مايؤثر على وجوده فالانهيارات الكونية وحطام المذنبات الكونية والكثير من القوى الضارة بالوجود لفظها الوجود ذاتياً انسجاماً مع التكافؤ الذاتي لهذا الوجود .
فالتلازم المطابق لوجود الثدييات وتصورها السريع خلق مجالاً واسعاً للنشوء الحي ونمو الذكاء والتكيف مع البيئة والقدرة على تجاوز العقبات باعثاً قوياً على استمرار الحياة وظهور التنوع الهائل في وجودها فالبيئة المناسبة والطاقة الكامنة في الوجود واحتواء العقل و تنامي الإشراق إشراق الكون وإشراق الوعي سرّع الوجود الحي تكويناً وانتشاراً قاهراً كل الصعاب .
المرجع المعتمد :
طبيعة الحياة – تأليف : فرانسيس كريك – صادر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – الكويت – ترجمة : د. أحمد مستجير – سلسلة عالم المعرفة

مخاطر التلوث في مجال النشوء الحي






















البيئة هي مفهوم منبثق عن تكوين مكون من تفاعل عناصر مختلفة متوالفة ومتفقة ضمناً وتداخلاً لإعطاء الوجود قدرة الحياة ويمكن أن نعبر عنها اختصاراً بأنها مجال النشوء الحي ، إنه المحيط المتنوع للوجود بكل أشكاله الغازية والسائلة والصلبة ، الحي وغير الحي ، فالتوازن البيئي مرتبط بالوجود الكلي للأحياء ولوازمها الضرورية وأي تغيير لمجرى نوعي معين في الوجود الطبيعي يرافقه نمو واقع تعويضي آخر لسد الخلل الحاصل في مجال النشوء الحي وعندما يصل النقص درجة لم يعد قادراً على تعويض ذاته يختل التوازن ويحصل الضرر في مجال النشوء الحي .
فالنظام البيئي واقع متكامل ومتفاعل تتحدد مجريات الوجود فيه على المساهمة الحرة والاستهلاك المتبادل والبناء المنظم واعتماد الأحياء على الوجود الحي والوسائل المرافقة له للحفاظ على واقع منسجم في وجوده وقائم بذاته قاهراً جميع المؤثرات على وجوده وعندما تبلغ المؤثرات أكثر من طاقته على الاستيعاب يختل التوازن وينجرف نحو الدمار .
فالعنصر الإنتاجي الأساسي في حلقة الوجود الحي هو الغطاء النباتي بكل أنواعه لأنه يؤمن انتقال المواد من الحالة غير العضوية إلى الحالة العضوية بالاعتماد على عناصر فاعله كالماء والأوكسجين وثاني أكسيد الكربون والطاقة الشمسية والعناصر المعدنية والطاقة الحيوية ، والمؤثرات الصوتية والكمونية والوعي البيئي والتناغم الكوني والقدرة الذاتية أو العقل .
فالعناصر الاستهلاكية تعتمد عضوياً في وجودها الحي على عناصر الإنتاج لتؤمن وجودها الحي في جوٍ مليء بالاضطراب مكون من سلسلة التغذية المتتابعة ضمن أوساط بيئية مختلفة كالبحار والأنهار والغابات وطبقة التربة السطحية والصحارى وغيرها ، والحياة تبقى مستمرة عن طريق التعويض المستمر لأنواع تفقد باستمرار وعندما يعجز التعويض عن تأمين التواصل والتبادل يصبح عندها مجال النشوء الحي مهدداً في صميمه ، فالتعاون المتلازم بين النظام الحي والنظام غير الحي يخلق وجوداً مستمراً لكلا النظامين وتعزيز الطاقة الخلاقة لهذا الوجود .
فالملوثات الضارة للنظام البيئي وفوضى التأثيرات على مجال النشوء الحي يؤدي إلى نشوء فوضى في علاقات النظم الحية مع النظم غير الحية بشكل يؤدي إلى نشوء إضطرابات عنيفة وشديدة التأثير على الحياة الطبيعية مما يساعد على نقل الفوضى إلى الواقع الإنساني وتزايد الملامح المؤثرة على السلامة الإنسانية وتعرض وجودها إلى الخطر المتواصل .
فالهواء أحد المكونات الأساسية للمجال الحيوي بشكل يجعله فاعلاً في تكوين الحياة ونموها وتنوعها وهو أحد معايير السلامة فيها لأن تفاعله المباشر مع الأحياء يحافظ على وجودها ويعطيها قدرة الاستمرار. فالتلوث الناتج عن العوادم بمختلف أشكالها تؤثر على تركيبته الأساسية وتغير فاعلية الحياة فيه من فاعلية حية ومنشطة إلى فاعلية قاتلة ، فالزيادة المتواصلة لغاز ثاني أوكسيد الكربون يرفع المستوى الحراري لجو الأرض وقد يؤدي إلى كوارث طبيعية مع توالي الزمن من خلال الذوبان التدريجي للغطاء الجليدي في دائرة القطبين والجبال الدائمة التجمد ، كما أن الزيادة من هذا الغاز وغاز ثاني أوكسيد الكبريت في الجو يؤثر على الكائنات الحية والإنسان ويزيد من نسبة الأمطار الحمضية فوق المناطق الصناعية الكثيفة السكان والتزايد المطرد للغازات الضارة في تركيبة الهواء وبالأخص أول أوكسيد الكربون يتزايد الخطر على الصحة العامة نظراً لقوة النشاط التفاعلي لهذا الغاز مع الدم وتشكيل الخثيرات الدموية المؤدية إلى انسداد الشرايين وشل الطاقة الحيوية عند الإنسان ، فالضباب الكثيف فوق المدن يؤجج النفور العام من هذا الواقع الخانق ويشعر الإنسان بالضيق الشديد لدرجة سيلان الدمع من العيون .
والتلوث عن الرصاص المنطلق من العوادم في الجو وغيره من الغازات الأخرى وانتشار حالات من الانقلاب الحراري الحاصل في أجواء المدن نتيجة تركز الهواء الدافئ فوق طبقة من الهواء البارد المجاور لطبقة الأرض مما يؤدي إلى توقف الدورة الهوائية الصاعدة والنازلة تؤدي إلى تزايد التأثير السلبي على الجهاز التنفسي وقد يؤدي إلى مشاكل تنفسية حادة نزيد من نسبة الوفيات لعدم قدرة العديد من الناس على التكيف مع هذا الواقع المتشكل والناتج عن صنع الإنسان نفسه .
فالتزايد المطرد للعوالق والمواد السامة في الهواء يرفع نسبة الإصابة بأمراض متنوعة وخطرة تهاجم الحياة الإنسانية في المرحلة الراهنة ويزداد تأثير الأمراض المهنية الناجمة عن العمل في أجواء ملوثة بمركبات كيماوية متنوعة وفق الحالات التي يعمل ضمنها العامل وقد أعدت جداول بالأمراض المهنية المعروفة ولاتزال نسبة هذه الأمراض في تزايد وارتفاع ، فالنسبة المرتفعة من العوالق والمعادن النادرة كالزرنيخ والرصاص والأحماض وغيرها نظراً لتزايد المعدلات العامة للصناعة ومفاعلات الطاقة النووية وزيادة التأثير المدمر للتلوث الجوي وضع العالم أمام مهام كبرى غايتها التوصل إلى اتفاقية دولية تلزم جميع الدول الصناعية وغير الصناعية في العالم لتوفير معدلات عالية من الحماية للحد من ظاهرة التلوث في المحيط الكوكبي كما حدث في اتفاقية كيوتو .
فالتزايد المطرد لتأثير غازات الكلور فلور كربون وأكسيد النتروجين يؤدي إلى نقص متزايد في طبقة الأوزون من جراء اقتناص عدد هائل من عنصر الأكسجين المولد لهذه الطبقة الحيوية والهامة في الغلاف الجوي لأنها تقوم بمنع الأشعة فوق البنفسجية من الدخول إلى سطح الأرض بكميات تؤثر على عمليات التمثيل الغذائي ( الأيض ) في النبات وكثير من الحيوانات والإنسان ، ناشرة مواد مسرطنة للجلد ومؤدية إلى نقص كبير في المحاصيل الزراعية والأسماك مما يؤدي إلى تعريض ملايين الناس للجوع في أجزاء كبيرة من المعمورة .
فالمياه الحمضية زائدة تغمر مناطق واسعة من العالم وتسبب في تلويث التربة وأقنية الري والأنهار والبحيرات مما يضعف قدرتها على احتواء العامل الحيوي في بنيتها ، فالتربة الحمضية تسمم النبات والحشرات ، والبحيرات الحمضية تسمم الأسماك وتفسد الأحياء الدقيقة فيها بشكل يؤدي إلى إضعاف الإنتاج الغذائي في العالم ويؤدي إلى الإضرار بالمجال الحيوي للحياة ويقلل من قدرتها الفاعلة لاحتواء الأحياء وإن البدء بإتخاذ إجراءات مهمة ومكملة لتنقية مداخن المصانع من العناصر الحمضية تزيد من فعالية الوقاية العالمية من هذا الخطر ويوسع الآفاق الحية والشعور الكامل بالمسؤولية الإنسانية .
توجد عوامل وأنشطة طبيعية تسهم في تلويث مجال النشوء الحي ، فالنشاط البركاني يؤثر على الجو ناشراً كمية هائلة من الغبار والدخان والحمم تؤدي إلى وجود سحابة هائلة تستمر فترة من الزمن ينقلها الهواء وتتفاعل مع الوسط الطبيعي محدثة خللاً في بنيته الأساسية سواء في البحار واليابسة وتحتوي طاقة ومواد مصهورة تزيد من الحرارة وتؤدي إلى طمي مساحات كبيرة من الأراضي تقضي على جميع النباتات فيها وتحول الواقع المجاور إلى غيوم حمضية تتساقط مع المطر ملوثة كل ماتقع عليه ومحدثة تخريباً كبيراً في محيطها الحي .
كما أن الرياح تنشر التلوث الجوي فالرياح القادمة من الصحراء تكون محملة بالغبار بدرجة كبيرة تجعل الأجواء داكنة وتنشر هذا الغبار على مسافات واسعة مغطية مناطق بالرمال والغبار تؤدي إلى تلويث المناطق التي تقع عليها كما تفعل رياح الخماسين في مصر والهبوب في السودان والسموم في الشرق الأوسط ، فالاشتراك التلويثي بين الملوثات المستقلة عن إرادة الناس والملوثات الناتجة عن إرادة الناس وأعمالهم تصل إلى حد تراكمي يهدد البشرية وكامل مجال النشوء الحي بالخطر .
فالماء ضرورة حياتية مرتبط عضوياً بجميع الكائنات الحية وهو الفاعل الأساسي في نمو النباتات ويدخل في إتمام جميع العمليات الحيوية فيها وهو مصدر أساسي من مصادر الحياة الكلية ويقوم بوسيلة اتصال دائم ، فالماء أينما كان في الجو أو في الينابيع والأنهار أو في البحار والبحيرات له فوائد لاتحصى فمن الضروري المحافظة على الماء من أخطار التلوث وعدم رمي المخلفات الصناعية ومياه المجارير في الأنهار والبحار لأنها تؤثر على البنية الحية في هذه الأجواء والقيام بإجراء تفاعلي بين البشر غايته الحفاظ على الثروة المائية من خطر التلوث الكامل والقيام بأعمال نشيطة على المستوى العالمي لإنقاذ الأحياء من الموت والأمراض الناتجة عن تلوث المياه ، فالأساس التكنولوجي مبني في أساسه على وفرة المياه وحاجتها الدائمة إليه وإن الإساءة إلى هذه الثروة الطبيعية يضع التطور التكنولوجي في دائرة الخطر ويحرم الحياة الإنسانية من متابعة وجودها المتقدم نظراً لتزايد تلويث المياه على وجه الأرض وعلى الإنسان باني هذا المجد العظيم أن يتابع احترامه لأساسيات الحياة وفي مقدمتها الماء .
فالتلوث الكيميائي الناتج عن المخلفات الصناعية هو أخطر أنواع الملوثات لأنه شديد السمية والتأثير على الكائنات الحية ، فالنواتج المتنوعة تتراوح بين قدرتها على الاشتعال نظراً لاحتوائها مواد طيارة ومنها ما يؤدي إلى استهلاك أكسجين الماء ، ومنها ما هو سام في طبيعته يتم صرفها جميعاً في مياه الأنهار والبحيرات المغلقة فتؤدي إلى تغيير البنية التكوينية للماء وتقضي على أشكال الحياة فيه والمزروعات المروية من مياهه تؤثر على بنيتها التكوينية وتركز في محتواها مواد سامة وخطرة . فالأماكن الصناعية الضخمة المنتشرة في جوار المدن وعلى ضفاف الأنهار والبحيرات ترمي مخلفاتها الصناعية فيها بشكل يؤدي إلى تخريب مجرى النشوء الحي في هذه المناطق وتجلب الكثير من المؤثرات والتفاعلات الضارة بين البيئة والإنسان وتغير طبيعة الأنظمة الحية فيها .
فالأوساط الصناعية مسؤولة قانونياً عما يقع على الأحياء من أخطار في هذه المناطق وعليها بإتباع نظام البحث عن كافة الوسائل الكفيلة بتخفيف التلوث وإعادة نظام الحياة إلى وضعها الطبيعي وإزالة وتنقية هذه المخلفات بكافة أشكالها .
فالمنظفات تلعب دور سيئ في تلويث المياه نظراً لبنية محتواها من مواد عسرة على التحليل من الكائنات الحية الدقيقة والرغوة المتشكلة تغطي سطح الماء فتقلل كمية الأوكسجين المحلول فيه وتؤدي إلى القضاء على الكائنات الحية المستهلكة له فالحياة دائماً تحتاج إلى نظامها المعتاد وأي تغيير في طبيعة هذا النظام أكثر من قدرتها على التكيف ستنقرض وتنهي لا محالة .
أما التلوث الناتج عن العناصر الثقيلة كالزئبق والزرنيخ والرصاص والكاديوم وغيرها تمثل خطراً حقيقياً على الكائنات الحية لأن تزايد تركيزها في أنسجة بعض الأحياء يؤدي إلى تتابع تركيزها في أحياء أخرى تعتمد في تغذيتها على الكائنات الأولى مما يوسع الحلقة الحية الملوثة بهذه العناصر السامة يؤدي إلى اختلال النشاط الطبيعي والبيئي نظراً لتكاثر العناصر المفسدة للحياة والمؤدية في النهاية إلى الموت مما يدفع الوجود الإنساني لتنشيط الضوابط الأساسية لمنع تلويث المياه بالعناصر الثقيلة .
وتزداد السمية في المخلفات الصناعية الداخل في تركيبها المركبات الهالوجينية شديدة السمية مثل كلوريد الفانيل والديوكسين و د.د.ت و سي.بي.سي وهي مركبات منزوعة من البولميرات الصناعية والمنتجة بكميات كبيرة وهي ذات وظائف استعمالية في الحياة اليومية مثل العزل والتغليف والعديد من المركبات والمبيدات الحشرية وغيرها وهي مقاومة للإنحلال بالماء وتتصف بالثبات الشديد وخطرة جداً على الصحة العامة وضارة لكل الأحياء وأخطرها مادة الديوكسين المرافقة لصناعة بعض المواد كمبيدات الأعشاب .مثل إيجيت أورانج وهذا المركب الخطير نشرت آلاف الأطنان منه فوق غابات فيتنام لإسقاط أوراق أشجار الغابات فعانى المشاركون في الحرب والقاطنون في هذه المناطق من أمراض وتشوهات خطيرة استمرت عدة عقود من الزمن الأرضي. فالمركبات الهالوجينية مواد خطرة على الصحة بدرجة قياسية عالية ، ومن الواجب اتخاذ إجراءات فعالة لعزلها عن المخلفات الصناعية وتقليص وجودها إلى الحد النهائي لتجنب أخطارها القاتلة والمؤثرة على الصحة العامة وكافة الأحياء ضمن مجال النشوء الحي .
فالحوادث الطارئة في العالم و الناتجة عن المنشات الصناعية الضخمة تسهم في عملية انتشار التلوث وقد تؤدي إلى حوادث مأساوية في المناطق الجارية فيها كما حدث في محطة الطاقة النووية في تشرنوبل الروسية حيث انتشر الإشعاع وتسرب إلى المناطق المجاورة ، وقد كلف جهود جبارة لتطويق الحادث وحصار نتائجه وحادث فيزين جوار مدينة ليون الفرنسية حيث تم انفجار الخزانات المملوءة بغازي البيوتان والبروبان أوقعت ضحايا بشرية وبيئية ضخمة وحادث ملكسيورو شمالي لندن عندما تسرب غاز الهلكسان المضغوط مما أدى إلى انفجار الخزانات واشتعالها فسببت أضرار مادية وبشرية عالية ، وحادث بويال الشهير في الهند عندما وقع انفجار الخزانات المملوءة بغاز سام هو غاز إيسوسيان الميثيل وهو غاز سام في درجات الحرارة العادية يستخدم في صناعة المبيدات الحشرية وقد شعر أكثر من نصف مليون إنسان بالتهابات في العين والحنجرة إضافة إلى وفاة الكثير من الناس وهم نيام وأنجبت عدة حوامل أطفال أموات إضافة إلى الأخطار البيئية الناتجة عن هذا التسرب .
فالإنسان يطور الصناعة لتأمين الحاجات الإنسانية المتنامية ويفرض عليه الواجب في المقابل أن يرفع حدود الأمان في هذه الصناعات والمخلفات الناتجة عنها لتجنب وقوع أخطار كارثية فالحياة ليست لعبة بيد حفنة من المجهولين باعوا ضمائرهم وشوهوا وجه الحب الإنساني ليكون المال والربح المعنى الوحيد لوجودهم فالمال والجاه لايأخذ معناه خارج الوجود الإنساني نفسه وعندما يتضعضع هذا الوجود ويتهالك ، كيف للأموال أن تحقق لجامعها وجود ، فالغنى والثراء هما وجود اجتماعي في وسط إنساني ترتفع قدرتها الفاعلة بقدر فعالية العلاقات الإنسانية نفسها إنها علاقة معيارية لقيمتين مختلفتين في هذا الوجود .
والكل يعرف بأن التلوث بالمبيدات الحشرية واسع الانتشار في العالم نظراً للضرورة المتزايدة للتخلص من الحشرات والآفات الضارة بالمحاصيل الزراعية وأغلبية هذه المبيدات مشتقة من مركبات هالوجينية سامة وثابتة ومقاومة للتغيرات والذوبان وأكثرها إنتشاراً ( د.د.ت ) ومركباتها تنشر عن طريق الرش سواء بالطائرات أو بوسائل أرضية ويتم نشرها على النبات والتربة وفي الهواء فتنتقل عن طريق الأمطار أو الري لتدخل في بنية المياه الجوفية ومياه الأنهار والجداول وصولاً إلى البحار والبحيرات فالكائنات الحية تركز في جسمها هذه المواد فتنتقل من سلسلة غذائية إلى أخرى لتصل إلى الإنسان عبر طرق متعددة سواء من المحاصيل الزراعية أو لحوم الحيوانات أو الأسماك نظراً للترابط الوثيق بين الكائنات الحية فالتلوث سريع الانتقال في المنظومة الحية وقد يصل إلى مناطق بعيدة عن النشاط البشري فقد وصل التلوث إلى طبقات الثلج في القطب الجنوبي ، فالمجال المرتبط بالنشاط الحي سلسلة محكمة الاتصال تتأثر بالمواد السامة المنتشرة على هذا الكوكب وتؤدي إلى نقل التلوث إلى كل الكائنات ، فالحياة البحرية واسعة جداً تصل نسبتها إلى 70% من المساحة الإجمالية للكرة الأرضية ، وعلى الرغم من هذه المساحة الواسعة فإن التلوث بزيت النفط يزداد فيها باستمرار بطرق مختلفة ومتنوعة الأسباب منها ناتج عن غرق ناقلات النفط وتسرب محتوياتها إلى السطح وتشكيل بقع واسعة من هذه المادة فوق سطح البحر ، تؤثر على الكائنات الحية وتفقد الشواطئ جمالها المعتاد وتشبع الجو بالغاز المتطاير منها وتزايد المواد الثقيلة الناتجة عنها مثل القار المترسب في قاع البحار والمحيطات ويزداد التلوث أثناء عملية التنقيب عن النفط وتسرب بقايا النفط من بعض أنابيب الآبار وبعض الأنابيب المتواجدة على الشواطئ والناقلة للنفط من أماكن بعيدة ومنها ماهو ناتج عن إلقاء بعض السفن بقايا المياه من عنابرها إلى البحر والموضوعة لتأمين حالة التوازن للسفن وبعض التلوث ناتج عن الحروب كما حدث بين إيران والعراق وبين العراق والكويت وأطلق عليها حرب الناقلات وحرب إحراق آبار النفط الكويتية .
هناك بحار يزداد التلوث فيها بشكل أكبر كونها بحار شبه مغلقة مثل البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر والخليج العربي وهي ممرات أساسية للناقلات النفطية . فالحياة البحرية والشاطئية تزداد تلوثاً بالنفط والطرق المتبعة للقضاء عليها ومحاصرتها تحتاج لعمليات شاقة ومكلفة ولايمكن تنظيفها بشكل كامل ومع الاستمرار في اعتبار البحار سلة مهملات لمخلفات الإنسان الصناعية والزراعية والنفطية يرفع من تلوثها بشكل ملحوظ وتتشكل في داخلها مواد شديدة السمية قاتلة للوجود الحي ومقاومة للتحلل مما يخلق واقعاً مربكاً بالنسبة للحياة البحرية بكافة أصنافها وبالتالي إحداث أزمات بيئية متكررة تؤثر على الواقع البشري بكامله ولابد من إتخاذ إجراءات وأساليب فعالة للتقليل قدر الإمكان من تسريب زيت النفط إلى البحار والعمل الجاد للوصول إلى واقع بحري نظيف قادر على إنتاج حياة بحرية سليمة خالية من المشتقات الضارة بالكائنات البحرية والإنسان ويتطلب تعاون دولي وثيق وفعال للحفاظ على بيئة بحرية سليمة ومستقرة .
وقد تزايدت في الآونة الأخيرة الأخطار الناتجة عن التلوث الإشعاعي بعد توصل البلدان الصناعية الكبرى إلى إقامة مفاعلات لإنتاج أسلحة التدمير الشامل ونهض العالم مذعوراً عندما ألقيت قنبلتين نوويتين فوق هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين فقد كان مجال الدمار واسعاً والموت جماعي ناتج عن انتشار الأشعة النووية والغبار النووي في الجو ، تألم العالم وتزايد التنبوء عن المصير المفجع للبشر لو تزايدت الأخطار من نشوء حرب نووية واسعة النطاق ، غير أن الوعي العالمي أخذ يدرك أكثر فأكثر بأن حرباً من هذا النوع تكون قاتلة للنوع بأكمله وعلى الرغم من إتخاذ إجراءات وقائية عالية المستوى فإن خطر تسرب الإشعاع من المحطات النووية استمر في الحدوث . فقد انفجر مفاعل نووي في ألمانيا وتسرب منه الوقود ناشراً كمية هائلة منه . وأحيط الحادث بالكتمان . وحدث تسرب آخر من محطة وقود نووية في بريطانيا وأمريكا وكان أخطرها أحداث تشرنوبل في الاتحاد السوفيتي سابقاً .
فالضعف البنيوي لمقاومة الإشعاع في الكائنات الحية والإنسان ينشأ عنها أمراض جلدية مختلفة وتشوهات خلقية ومأساوية .
وقد تزايد العمل المشترك لأجل الإقلال من الأضرار الناتجة عن الإشعاع في العالم ، فالاستخدام السلمي للطاقة النووية يجب أن يرافقها عوامل أمان عالية الدقة وتنامي التحكم العالمي في موضوع التخلص من النفايات المشعة المستهلكة لأن الكون الحي لايتحمل التزايد المطرد للإشعاع النووي سواء أكان مصدره كوني من خارج الوجود الأرضي أو من الوجود الأرضي نفسه لأن العالم بكل تنوعه يخشى من هذا الخطر القاتل ومخلفاته فاعلة ولامنتهية وهي قادرة على الانتشار في النبات والأحياء والماء والهواء والتراب وكامل التكوين العام المرتبط بالحياة البيئية ، فمن الأجدر والأنسب وضع الضوابط العملية والقواعد العلمية الفاعلة للتخلص من جميع آثار الإشعاع الضارة وتحقيق وجود آمن وخالي من الإشعاع .
يتأثر الكائن البشري بنوع آخر من التلوث يختلف من حيث المحتوى عن الملوثات الأخرى نظراً لكونه من طبيعة صوتية . هو التلوث الناتج عن الضجيج ، تلويث يؤثر على الحالة العصبية والنفسية للإنسان ويزداد انتشاراً في المدن الصناعية الكبرى والصادر عن الكم الهائل من الأصوات المنبعثة من جميع ميادين النشاط المختلفة سواء أكانت نشاطات صناعية أو أصوات صادرة عن سيارات النقل والطائرات والقطارات وكافة الأصوات الصادرة عن جميع الأجهزة الكهربائية المنزلية مثل الراديو والتلفزيون والخلاطات والمكانس وغيرها . هذه الملوثات تشكل أصواتاً خلفية غير مباشر وغير محددة المصدر تؤثر على نظام السمع وعلى البيئة المحيطة بالكائن الإنساني .
يضاف إليها الكم الهائل من الموجات الكهرومغناطيسية المنتشرة بكثافة في الجو وهي موجات ضعيفة الطاقة ، غير أن كثرتها ونوعها يؤثران على الأداء العقلي والجسمي للإنسان فقد يسببان بعض الأمراض الخطرة مثل ارتفاع ضغط الدم وزيادة إفراز أحماض المعدة والأمعاء وفي حالات معينة يؤثران على الجهاز المناعي وضعف الإخصاب وغيرها الكثير من العوامل المؤثرة على البنية العامة للحياة الإنسانية وطريقة تفاعلها مع الوسط الخارجي ، فقد بدأت الأبحاث وأجهزة المراقبة والوقاية العمل ضمن هذا المجال وتزايد الطلب على مكافحة هذا النوع من التلوث بإقتراح برامج ومشاريع غايتها التخفيف من حدة الضجيج وضبط المجال الكهرومغناطيسي بشكل يناسب الحياة الإنسانية على هذا الكوكب .

المرجع المعتمد :
التلوث مشكلة العصر – تأليف أحمد مدحت باشا – عالم المعرفة – العدد 152 – الصادر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – دولة الكويت